English الرئيسية
 
      
آخر الأخبار |
أميركا تفتقر إلى استراتيجية شرق أوسطية متماسكة
2012-06-01

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تزداد أهمية القضايا ذات العلاقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي، فالرئيس الأميركي باراك أوباما يترشح لولاية ثانية استنادا إلى برنامج يقضي بإنهاء الحربين في العراق وأفغانستان، مظهرا في الوقت نفسه قسوة وصلابة تجاه تنظيم القاعدة، وفي المقابل، يتهمه خصومه من الجمهوريين بانه يترأس عملية تراجع مكانة أميركا في العالم. لكن الحقيقة اكثر تعقيدا من قدرة أي من الطرفين على الاعتراف بها.

عندما تولى أوباما منصب الرئاسة في يناير 2009، كان قد طور بالفعل رؤيته النشطة حيال مصير سياسته الخارجية، طارحا ترميم صورة أميركا في الخارج لاسيما في العالم الإسلامي، وإنهاء الحروب في العراق وأفغانستان، وإعادة جبر العلاقات مع روسيا كخطوة باتجاه تخليص العالم من الأسلحة النووية، واستنباط أشكال التعاون حول القضايا الإقليمية والدولية مع الصين.

وكان هناك نزاع حتمي بين ارتفاع لهجة خطاب أوباما ورغبته في إحراز تغيير جوهري من جهة، وغريزته للحكم بطريقة براغماتية من جهة أخرى. وأخذا في الاعتبار الأوضاع المحلية والدولية، فقد هيمنت البراغماتية في النهاية.

كان أوباما يحاول تشكيل نظام ليبرالي عالمي جديد يبقي أميركا في الزعامة، لكن مع مشاركتها الاخرين في المزيد من المسؤوليات والأعباء، حيثما كان هذا الأمر ممكنا أو ضروريا.

وقد راكم بعضا من النجاحات البارزة، بما في ذلك إضعاف تنظيم القاعدة على نحو كبير، وإدارة العلاقات مع الصين بشكل فعال، وإعادة بناء السمعة الدولية لأميركا، وإعادة جبر العلاقات مع روسيا من خلال التصديق على اتفاق «ستارت» جديد، واستكمال اتفاقات مرحب بها حول التجارة الحرة وإن جاءت متأخرة، وانسحاب القوات الأميركية من العراق.

وكانت هناك أيضا بعض النكسات المهمة، بما في ذلك عدم إحراز تقدم في حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وتحقيق القليل على صعيد مكافحة التغيير المناخي، واستمرار أميركا في احتلال موقع متدن في العالم الإسلامي، وتعميق الاحتكاك في العلاقات الأميركية الباكستانية، ومضي كوريا الشمالية في تطوير ترسانتها النووية.

وبالنظر إلى الأمور من مقياس حماية المصالح الأميركية، فقد عملت السياسة الخارجية لأوباما بشكل جيد إلى الآن، ومن ناحية تحقيق رؤيته لنظام دولي جديد، فإن هذا النظام يبقى في طور التشكل.

نهوض آسيا

صعد أوباما إلى سدة السلطة برؤية للسياسة الخارجية مبنية على ثلاثة أعمدة: علاقة متغيرة مع القوى الصاعدة في اسيا، لاسيما الصين، علاقة متحولة بين أميركا والعالم الإسلامي، حيث يحل التعاون محل الصراع، وتقدم مهم باتجاه منع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي، وبينما كانت سياسته تصنع التاريخ، جعل الانهيار المالي الأولوية الرئيسية للرئيس الأميركي في القضايا المحلية والخارجية في إدارة الأزمة الاقتصادية، وقلص خياراته على هذين الصعيدين معا.

والخطوات الأصعب لتفادي حدوث كارثة اقتصادية كانت قد أخذت في نهاية عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، لكن أوباما كان لا زال عليه تحديد المؤسسات التي يفترض إنقاذها وأخذ خطوات أخرى لوقف انهيار الاقتصاد وتحفيز النمو. وكان لهذا الأمر تأثير مهم على السياسة الخارجية لأوباما، جاعلا من أي عمل جماعي سريع مع الاقتصادات القوية الأخرى أمرا ضروريا. وفي النهاية، تم تجنب خطر قيام كل دولة بحماية اقتصادها على حساب الدول الأخرى إلى حد كبير.

لكن من نتائج هذه الأزمة أنها سرعت آفاق صعود الصين الاقتصادي وتراجع أميركا النسبي، وهو الأمر الذي عقد العلاقات الأميركية الصينية خلال السنة الثانية من توليه الرئاسة، وشكل تحديا أوسع نطاقا لإدارة سياسته الخارجية.

ومن البداية، سعت الإدارة الأميركية الجديدة إلى المزيد من الانخراط النشط مع آسيا، في محاولة لتحسين علاقات أميركا مع الأصدقاء والحلفاء، وللتعاون مع الصين في قضايا ثنائية وإقليمية وعالمية. ولقد قبل فريق أوباما بواقع أن الأهمية النسبية للصين كانت في تصاعد وأن أميركا لم يعد بإمكانها ممارسة النفوذ الذي كان لها في السابق.

وعلى الرغم من الاهتمام المركز لجهود الإدارة الأميركية للعمل بشكل وثيق مع الصين، إلا أن هذه الجهود لم تسر بسلاسة. ومع ذلك، جرى تفادي حدوث تدهور حاد في العلاقات، الأمر الذي يعكس النضوج في العلاقات الأميركية الصينية ورغبة قادة البلدين في إبقاء الخلافات في حدودها.

مستنقع الشرق الأوسط

كانت علاقات الإدارة الأميركية مع العالم الإسلامي الأكثر درامية وإثارة للمفاجآت. وكان أوباما على الدوام يزمع المضي في محاربة الإرهاب، لكنه لم يتبن مفهوم بوش «الحرب العالمية على الإرهاب». وبدلا من ذلك، سعى إلى إنهاء الحربين في العراق وأفغانستان، وفي الوقت نفسه التركيز بشكل محدود على مهاجمة الناشطين ضمن القاعدة في أفغانستان وباكستان وفي كل مكان في العالم. ونجاح الإدارة في هذا المجال كان ضمن إنجازاتها التي تركت بصمات وراءها، وأوباما بإمكانه أن يزعم عن حق بأنه أنهى الحرب العراقية، وثابر عليها في أفغانستان وباكستان وقطع دابر تنظيم القاعدة في الأساس. لكن الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان وباكستان، يسير على خيط رفيع، ولم يتضح بعد ما إذا كان الرئيس الأميركي سيتمكن من تحقيق الخروج من الحرب من دون أن يترك وراءه مخاطر الفوضى.

وفي أثناء ذلك، كانت دبلوماسية الشرق الأوسط مصدر الهوة الأكبر بين وعود أوباما من جهة، وبين وفائه بها، ومثلت الإحباط الأكبر للرئيس. وهذا مثير للسخرية، أخذا في الاعتبار أن أوباما تعهد بجعل إحلال السلام في الشرق الأوسط، في صدارة الأولويات من اليوم الأول لتوليه الرئاسة، لكنه عندما برهن على انه غير قادر على الوفاء بوعوده في حل المشكلة الفلسطينية، وفي إغلاق معتقل غوانتانامو، شعر الشارع العربي بخيبة أمل فيه، وفي النهاية أدار ظهره إليه عندما بدل مواقفه نحو إسرائيل مع اقتراب موعد إعادة انتخابه.

القفز إلى الأمام

كان الربيع العربي أكبر مفاجأة غير متوقعة لأوباما، لكن الرئيس الأميركي أدار الاضطرابات والتوترات بشكل جيد نسبيا، مدركا أن هذا النشاط الثوري لا يدور حول أميركا، وبالتالي فإن قدرته على التأثير بنتائجه محدودة. ولقد رفع الرئيس الأميركي صوت أميركا وراء المطالب الشعبية بالحرية والديمقراطية عبر العالم العربي، وساعد في إسقاط دكتاتوريين فاقدي الشعبية في مصر وليبيا واليمن، فيما كان يقوم بما في وسعه لحماية المصالح الأميركية. وكانت هناك عثرات تكتيكية، لكن على العموم، فان مثاليته الغريزية وضعت أميركا على الجانب الصائب من التاريخ، وبراغماتيته الفطرية خدمته جيدا في تحقيق توازن جديد بين القيم الأميركية والمصالح الاستراتيجية لأميركا في منطقة مضطربة.

وفي مصر، كان دعم أوباما للحفاظ على دور العسكر مهما في تحقيق انطلاقة سريعة لعملية الانتقال، لكن الرهان على الجيش المصري باعتباره قابلة الديمقراطية المصرية، لم يعمل جيدا كما كان يؤمل. وعلى الرغم من أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية كرر نيته احترام كل الالتزامات الدولية للبلاد، بما في ذلك اتفاقية السلام مع إسرائيل، فقد برهن على أنه عاجز عن التعامل مع المطالب الشعبية، بل إنه بدلا من ضمان الانتقال المنظم للسلطة الذي سعى أوباما إليه من الأيام الأولى للثورة، حاول حماية مصالحة الخاصة، ووضع نفسه فوق الدستور.

ومن خلال مطالبته بالتزام المجلس الأعلى بنتائج الانتخابات الأخيرة لمصر والسماح للإسلاميين باستلام السلطة، فان أوباما يراهن على أن جماعة الإخوان المسلمين، نظرا لحاجتها إلى تحقيق نتائج ملموسة لمن صوت لها، ستفضل الاستقرار المتأتي من التعاون مع أميركا والحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، بدلا من محاولة فرض الشريعة الإسلامية. ولقد اصدر أوباما حكمه بأن محاولة تشكيل هذا التطور الدراماتيكي سيكون أقل ضررا على المصالح الأميركية من العمل على قمعه، لكن موقفه هذا يتسم بالمجازفة.

وليبيا كانت دوما عرضا جانبيا استراتيجيا بالنسبة لأميركا. وقد ساعد أوباما في إسقاط دكتاتور وحشي بكلفة متدنية نسبيا هناك، من خلال دعم تدخل عسكري لحلفاء أميركا في «ناتو» من الأوروبيين، الذين كانت لديهم مصالح اكبر على المحك في المحصلة العامة. لكن كانت هناك تكلفة غير مباشرة. فبدعوته المتكررة لإسقاط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، بينما قرار مجلس الأمن الذي برر التدخل العسكري ل «ناتو» لم يشر إلى أمر كهذا، فان أوباما أكد التهم الروسية والصينية بأن الغرب سيشوه نوايا قرارات الأمم المتحدة خدمة لأهدافه. والنتيجة الجانبية لهذا الأمر هي أن الصين وروسيا، إلى جانب القوى الناشئة الأخرى في مجلس الأمن، مثل البرازيل والهند وجنوب إفريقيا، لم تعد مستعدة لتأييد قرارات مجلس الأمن، المؤدية إلى تدخلات عسكرية لإسقاط أنظمة في أماكن أخرى في العالم العربي.

وفي المحصلة النهائية، ليس واضحا بأن اتباع سياسة أميركية اكثر تماسكا في الشرق الأوسط كان سيولد نتائج أفضل منذ أن بدأت الانتفاضات. لكن صافي تأثير التطورات المضطربة في العالم العربي، بعد جمعها مع فشل أوباما في تحقيق اتفاقية سلام إسرائيلية فلسطينية، وإصرار تركيا على لعب دور قيادي في العالم العربي على حساب علاقتها مع إسرائيل، ترك أميركا من دون استراتيجية متماسكة، لا تذهب ابعد من رد الفعل الانفعالي تجاه تيارات الأحداث غير المتوقعة.

ماذا بعد؟

كانت سياسات أوباما الخارجية منطقية وجدية، لكنها لم توجد مخرجا جديدا. تمت إدارة مصالح الأمة بكفاءة في معظم المجالات، لكن بإنجازات قليلة ذات بصمات مميزة، ما عدا مصرع أسامة بن لادن، لإيجاد إرث تاريخي مميز. وإبقاء البلاد آمنة والمساعدة في منع انهيار اقتصادي أسوأ مما سبقه، كانت مفاخر مهمة، لكن تم قياسها في غالبيتها إزاء حقائق سلبية، أمور سيئة كان يمكن أن تحدث لكن تم منعها، مثل ضربة إرهابية كبيرة أخرى أو كساد عظيم آخر. والفجوة بين خطاب الرئيس وأفعاله ولدت خيبات أمل في الداخل والخارج.

وسجل الرئيس الأميركي يتركه أيضا من دون خريطة طريق واضحة المعالم للمستقبل إذا ما فاز بولاية ثانية. والشفاء من هذا الوضع، لسخرية القدر، هو في إعادة انعاش رؤيته الأصلية حول ما هي الأمور الأكثر أهمية، وإجراء تعديل تدريجي لدور القيادة الأميركية في ظل نظام دولي ناشئ.

ويبدو أوباما متفهما لهذا الأمر جيدا، لكنه لم يطور بعد استراتيجية واضحة لتحقيقه، وحجر الأساس قد يكون في إعادة التوازن نحو أسيا، وهو ما مضت فيه الإدارة في الخريف الماضي. وهذه الاستراتيجية بإمكانها أن تسفر عن إعادة تأكيد زعامة أميركا الدولية لسنوات مقبلة، وفي الوقت نفسه عكس توزيع السلطة الناشئ في النظام الدولي بشكل أدق.

لكن قدرة أوباما على المضي في هذه الاستراتيجية بشكل فعال، ستعتمد على عاملين: معالجة الملف الإيراني وإعادة إحياء الاقتصاد السياسي لأميركا.

والعامل الثاني يتركز على ما إذا كان الرئيس الأميركي سيكون قادرا على التغلب على المشكلات البنيوية لأميركا الخاصة بالنمو البطيء والبطالة المرتفعة والمسار غير المستدام للدين. والنظام الدولي يستند إلى القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية لأميركا، وهذه القوة هي الآن موضع تشكيك، والاختلال السياسي الشعبي في أميركا يؤثر على التوقعات في العالم. وهناك أبعاد عدة لهذه القضية، لكن قدرة واشنطن على السيطرة على التحديات المالية بالتزامن مع قيامها باستثمارات تعزز قدرة أميركا على التأقلم والتنافس في المستقبل ستكون بلا شك مكونا هاما في أي برنامج جدي. ويمكن في سياق ذلك، بل يجب تشذيب ميزانيات الأمن القومي أيضا. عاملان لزعامة أميركا للعالم

على مدى العقود السبعة الأخيرة، شجع النظام الدولي بزعامة أميركا نمو قوى أخرى وصعودها، من أوروبا إلى اليابان إلى دول في باقي اسيا، وأميركا اللاتينية وفي كل مكان آخر. وتغيير تدريجي موجه يأخذ في الاعتبار هذه القوى الصاعدة ودورها المتزايد في إدارة النظام الدولي بشكل بناء، يمكنه أن يعود بالنفع على جميع الدول بما في ذلك أميركا.

ويبدو أوباما متفهما لهذا الأمر جيدا، لكنه لم يطور بعد استراتيجية واضحة لتحقيقه أو لإيجاد طريقة لإقناع الشعب الأميركي بالحاجة إلى هذا المسار وفوائده. وحجر الأساس قد يكون في إعادة التوازن نحو اسيا وهو الأمر الذي مضت فيه الإدارة في الخريف الماضي. وهذه الاستراتيجية بإمكانها، بعد بلورتها وإدارتها بشكل جيد، أن تسفر عن إعادة تأكيد زعامة أميركا الدولية لسنوات مقبلة، وان تخدم كهيكلية لتشجيع التجارة والاستثمار، والتحول إلى نمط عسكري اكثر مرونة يعمل عن كثب مع شركائها في الخارج، وفي إعادة تشكيل المنظمات الدولية والإقليمية للحفاظ على الدور القيادي لأميركا والقيام في الوقت نفسه بعكس توزيع السلطة الناشئ في النظام الدولي بشكل اكثر دقة.

لكن قدرة أوباما على المضي في هذه الاستراتيجية بشكل فعال، ستعتمد على عاملين: معالجة الملف الإيراني وإعادة إحياء الاقتصاد السياسي لأميركا.

تبعات

لايزال لدى أميركا الكثير من المزايا الإيجابية، القوى المسلحة الأقوى في العالم، وشبكة من الحلفاء والشركاء الأقوياء، وقيادة مستمرة في مجال والبحوث التطوير، والنظام التعليمي الأفضل في العالم، وعلى صعيد الابتكار والتصنيع عالي التقنية، إلى جانب الديمغرافيات المنصهرة، والنمو السكاني المعتدل المتوازن، والنظام السياسي الشفاف وحكم القانون الموثوق، مما يسهم في جذب الاستثمارات الخارجية، عوضا عن الموارد الطبيعية الوفيرة، والمجتمع المدني الحيوي والخبرة الواسعة في الزعامة الدولية.

لكن هناك بعض الاتجاهات الرئيسية تمضي في الاتجاه الخطأ، ومستقبل البلاد الاقتصادي يبقى محفوفا بالمخاطر. وهذا يعني باختصار أن الإضعاف المستمر للأسس الاقتصادية الأميركية لا يتماشى مع الاحتفاظ بالقوة الأميركية الطويلة الأمد والسياسة الخارجية الناجحة.

وتبعات فشل وقف التراجع الأميركي على أميركا والعالم عموما ستصل تداعياتها إلى أبعد بكثير من أي نتائج ستنبع من الشعبية الشخصية للرئيس الأميركي أو من مواقف الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مارتن إنديك وكينيث ليبرثال ومايكل أوهانلون
 

كلمة معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية

فيديو
 

كلمة بدء أعمال المؤتمر سعادة الشيخ أحمد بن محمد بن جبر آل ثاني مساعد الوزير لشؤون التعاون الدولي - قطر
 
الرئيسية
البرنامج
المشاركين
الكلمات
الأخبار
الفيديو
الصحافة
ألبوم الصور
المنتديات السابقة
مواقع مهمة
اتصل بنا
تنبيهات بريدية
للحصول على آخر الأخبار والتحديثات من فضلك ادخل عنوان بريدك الإلكتروني